Download Free FREE High-quality Joomla! Designs • Premium Joomla 3 Templates BIGtheme.net
Home / blog / [رأي] حراك الريف .. الدولة تعيش سكرة انتصار هش

[رأي] حراك الريف .. الدولة تعيش سكرة انتصار هش

مع اقتراب مرور سنة من اندلاع الاحتجاجات الشعبية في الريف المغربي نجحت القبضة الأمنية التي فرضتها الدولة المغربية منذ أشهر في التقليص إلى حد ما من التظاهرات في مركز مدينة الحسيمة، وانحصرت الأشكال الاحتجاجية بشكل محدود في عدد من المدن المجاورة كإيمزورن وتماسينت، وأسهمت موجة الاعتقالات التي تجاوزت عتبة 300 معتقل في تراجع الاحتجاجات في المدينة المنتفضة منذ حادثة مقتل محسن فكري خصوصا أن هذه الاعتقالات قد تجاوزت منظمي الاحتجاجات لتصل إلى المشاركين العاديين في الاحتجاجات ولتطال القاصرين، ويبدو وكأن المدينة تحصي خسائرها الثقيلة من الاعتقالات والمتابعات والمعطوبين جسديا ومعنويا بعد أشهر مريرة من المقاومة في مواجهة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها السلطات المغربية منذ اعتقال ناصر الزفزافي نهاية شهر مايو الماضي.

يمكن أخيرا القول إذن إن الدولة لأول مرة تشعر أنها توجد في وضع شبه مريح منذ أزيد من عشرة أشهر حيث تحولت الأنظار إلى التركيز على أولوية إطلاق سراح المعتقلين بالموازاة مع تراجع الزخم الشعبي المؤيد للحراك في بقية مناطق المغرب مع إعادة السيطرة على الشارع وهو الهدف الرئيسي الذي لم يخفه كثير من المسؤولين حينما تحدثوا بصراحة عن ضرورة استعادة هيبة الدولة وعودة المتظاهرين إلى منازلهم قبل أي شيء آخر، فتراجع الحالة الاحتجاجية الآن في الريف يعني أن الدولة في أسوء الحالات لن تكون مضطرة لتقديم تنازلات قاسية وأن حل هذه الأزمة سيكون بكلفة منخفضة لن تتجاوز على الأرجح إطلاق سراح مجموعات من المعتقلين بشكل تدريجي لاحقا بعد محاكمتهم بالإضافة إلى تقديم وعود بالتسريع بإنجاز المشاريع التنموية، وهو سقف جد منخفض ولا يجيب عن مطالب الحراك.

بدا واضحا منذ تصاعد القبضة الأمنية في تعامل الدولة مع الاحتجاجات في الريف أن الحسم الأمني وإخماد الاحتجاجات كان خيارها الوحيد المطروح على الطاولة، وأن بعثها ببعض إشارات التهدئة بين الفينة والأخرى كان لمجرد كسب الوقت قبل إعادة الأمور ميدانيا إلى نقطة البداية وتفاديا لعدم انتقال كرة اللهب إلى مناطق أخرى وكي لا يتطور الغضب ليرقى إلى خروج جماعي متكرر إلى الشارع كما عكسته مسيرة الرباط الحاشدة في شهر رمضان مثلا .

وحتى بوادر الاستعداد للحوار التي كانت تلوح بين الفينة والأخرى عبر آليات الوساطات التي تزعمتها وجوه مختلفة منها من يزعم الحياد ومنها من يدعي القرب من السلطة فإنها لم تكن إلا امتدادا للتصعيد بل وانعكاسا لهذه المقاربة الأمنية حينما كانت تسعى بعض هذه المبادرات إلى انتزاع تنازلات أو اعتذارات من سجناء الحراك المسجونين في مقابل الإفراج عنهم، في محاولة لتكرار سيناريو الحركة الاحتجاجية لسيدي إفني التي تم إقناع جزء منها داخل السجن بضرورة الاشتغال في إطار « الشرعية » ومحاولة تحقيق مطالبهم من داخل المؤسسات، وهي التجربة التي اعترف أصحابها لاحقا بأنفسهم بفشلها وبأن الدولة لم تف بوعودها لهم وعملت على محاربة تجربتهم ولم يكن لها أي نوايا جدية للاستجابة إلى مطالب الساكنة.

أمام ضعف التضامن الوطني وانشغال التنظيمات المعارضة بتصفية حساباتها الإيديولوجية والعجز عن بلورة بديل احتجاجي وطني قوي مواكب وداعم لحراك الريف وفشل تحويل الهبة الريفية إلى صرخة وطنية جامعة ، وجد الحراك الريفي نفسه متروكا لمصيره حيا على العفوية والعاطفية الجماهيرية مع اعتقال الصفوف اللاحقة من منظمي الاحتجاجات الذين ظهروا بعد اعتقال الزفزافي ونبيل أحمجيق ومحمد المجاوي وغيرهم. وتدريجيا بدأ تشديد الإجراءات الأمنية في المدينة بالموازاة مع تصاعد الاعتقالات والاستدعاءات الأمنية و توالي صدور الأحكام القاسية والإضرابات الطويلة عن الطعام التي خاضها ولا زال يخوضها المعتقلون يلقي بثقله على الحياة اليومية لسكان الحسيمة خصوصا بعد الإعلان عن مقتل عماد العتابي الذي أصيب في تظاهرة 20 يوليوز وما تلاها من أحداث ، فانتقل ثقل الحراك أكثر فأكثر إلى إيمزورن وتماسينت و العروي التي شنت فيها السلطات العمومية أيضا موجة اعتقالات استباقية خوفا من ارتفاع زخم الاحتجاجات وانتظامها فيها.

علاوة على ذلك كان من الطبيعي أن تظهر على الساحة بعض من التناقضات المؤجلة في التقديرات بين حساسيات مختلفة من داخل هذا التكتل الهلامي الذي كان يحتضن قناعات متباينة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فيها الإصلاحي والثوري الجمهوري و الملكي، فيها المسيس وغير المسيس، المؤدلج وغير المؤدلج. حيث أن امتداد الحراك في الزمن يبعدنا شيئا فشيئا عن اللحظات العاطفية الكبرى الموحدة وهي لحظة وفاة محسن فكري ثم اعتقال الزفزافي ورفاقه،هذا الابتعاد الزمني عن نقطة البداية و بلوغ مراحل التوتر بين الريف والدولة ذروتها كان لا يبد أن يفرز لنا نوعا من الانقسام في وجهات النظر والمواقف واختلافا في ترتيب الأسبقيات وهو اختلاف كان دائما حاضرا بين نزعات عقلانية ترى تدبير موازين القوى وتسطير برنامج حد ادنى مرحلي و أخرى عاطفية جماهيرية انفعالية وفية للعفوية.

ولا يجب أن نغفل كذلك أن اعتقال قيادة الحراك جعل المتكلمين باسمه كثر وهو ما يعني ظهور بعض الأصوات الانتهازية التي عمل الإعلام الموجه على استغلالها للنيل من الحراك وتمييعه وإفراغ مطالبه من مضمونها بل وحتى إظهار قادته المسجونين في صورة الفاقدين للشرعية داخل الريف، بالإضافة إلى ظهور بعض النزعات الفوضوية الفردية في أوروبا والتي عبرت عن مواقف من خارج الإطار العام للحراك الريفي خدمت المقاربة الأمنية ولعبت دورا وظيفيا لصالحها مقدمة « الأسباب الموضوعية » التي تبرر منطق الدولة. وسمحت كل هذه العناصر للدولة لإعادة تسويق صورة تقدم الحراك في وجه العبثي المنقسم على نفسه و الذي لا يملك أي مشروع أو تصور أو الانفصالي من خلال ربطه بهذه النزعات التي ظهرت في أوروبا من بعض الأفراد الذين لم يكن لهم أي دور في الحراك فضلا عن ارتباطاتهم الغامضة والذين أسهم اعتقال قادة الحراك في ظهورهم عن طريق « اللايف » لتبني خطاب متطرف لم يسلم منه تخوين واستهداف بعض رموز الحراك الريفي القابعين في السجون، هكذا إذن عملت الدولة على تدارك خسارة معركة الصور طيلة الأشهر الماضية .

لكن المقاربة الأمنية وإن أدت كما قد يظهر الوظيفة المعتمدة من أجلها بالتقليل من حدة الاحتجاجات وشل القدرة التعبوية للحراك في الريف في الوقت الراهن إلا أن مفعول هذا الاستقرار المفروض بالقوة آيل إلى الزوال عاجلا أم آجلا فالغضب ينتظر اللحظة العاطفية المحفزة القادمة كما كانت لحظة مقتل محسن فكري، فتعامل الدولة مع الحركة الاحتجاجية في الريف بذلك النفس الانتقامي المفرط فضلا عن إيقاظه الجروح القديمة التي لم تكن قد اندملت بعد هاهو يفتح جروحا مظلمة جديدة في الجسد الريفي ويعمق الهوة وانعدام الثقة بين الدولة ومواطنيها في الريف المغربي.

لقد تحول هذا الحراك رغم بساطة خطابه إلى ما يشبه الحالة الإيمانية وإلى ثقافة شعبية متجذرة في البيت الريفي وفي وعيه العام وسيكون من الصعب التخلص من فكرته العادلة بحسم الموقف أمنيا بل على العكس فإن قساوة الذاكرة الجماعية ل حراك 2017 قد تكون مغذية ومحفزة  للجيل القادم من الاحتجاجات كما كانت الحمولة المأساوية للتوترات التاريخية السابقة بين الدولة والريف رافدا من روافد الحشد لهذا الحراك .  قصارى القول أن لجوء الدولة إلى خيار الصدام مع منطقة بأكملها بالطريقة التي نعرفها جميعا قد ينجح لحظيا في إسدال الستار على هذه الدورة الاحتجاجية لكنه لا ينهي أسباب قيامها مجددا غدا ولا أحد يعلم أي شكل قد تتخذه الموجات الاحتجاجية المقبلة في الريف وإن كانت ستحافظ على سقف الاعتدال الذي مثلته الوثيقة المطلبية للحراك.

عماد استيتو

About أنفاس

Check Also

[رأي] »من الحسيمة إلى صفرو: أولئك هم مزعزو استقرار الوطن ! «