Download Free FREE High-quality Joomla! Designs • Premium Joomla 3 Templates BIGtheme.net
Home / blog / [مقال رأي ] صديقي العراقي – محنة فقدان الوطن وخيانة الأهل

[مقال رأي ] صديقي العراقي – محنة فقدان الوطن وخيانة الأهل

 

صديقي العراقي

محنة فقدان الوطن وخيانة الأهل

صديقي العراقي دكتور في الرياضيات، مقيم مند ثلاث سنوات في فرنسا في إطار مشروع بحث علمي مشترك بين البلدين. صديقي كغالبية العراقيين الذين أعرفهم شرقي الجمال كريم النّفس منفتح الفكر ورشيق العقل، ثراءه الفكري سمة تميّزه عن معظم من أعرفهم من العرب ونبل خلقه المدعوم بشهامة ثابته يجعلانه صديقا حميما يعتمد عليه في كلّ شيء.  تعرّفت عليه أوّل يوم في نشاط علمي لمختبر الأبحاث الذي جمعنا، ومنذ ذلك الحين لم ألمس منه سوى قوة الأنفة والإعتزاز الرّاسخ بالهويّة العراقية. بيته مركز ثقافي عراقي يحمل من التراث  ممارسة يومية جزءا مما سرق ماديا من متاحف العراق، والأكل عنده رحلة سفر تجوب بك جوانب شارع نينوى مما يحمله من لذّة الطعم المتوارثة بين كلّ أمّ موصلية وإبنتها.

صديقي إستقدم  زوجته وإبنته الصغيرة بعد أن صارت الموصل أرض موت لا حياة، إحتضنت مدارس فرنسا العمومية طفلته مجانا فتعلّمت الصغيرة لغة البلد سريعا حتى تفوّقت على والديها، تعلّمت من أطفال الفرنسيين أدب السلوك والتّعلّق بالقراءة، تعلمت أنّ الإختلاف على مستوى البشرة أو الأصول لا ينقص من روعة اللعب البريء مع جميع الأطفال. حياة الأسرة العراقية الصغيرة متناسقة ومرتبة في فرنسا، ومع أن الزوجة محجّبة فهذا لم يمنعها من نسج علاقات صداقة مع الفرنسين من مختلف الأصول، ولم يمنع الصغيرة من حضور أعياد ميلاد أصدقاءها من أحفاد نابوليون أو استقبالهم ببيتها الصغير. وحدها حال العراق تنغّص حالهم، بين الخوف على الأهل، وتعذّر إمكانية الإتصال بهم أو زيارتهم، حتّى أنّه زار أربيل يوما ليشتمّ رائحة تربة الموصل ولو على مسافة 85 كيلومترا مع تعذّر إمكانية الوصول إليها وعاد أدراجه لفرنسا محملا بمرارة الإحساس بضياع الجميل من الذكريات والفقدان الفعلي للأرض.

صديقي يجزم أنّ العراق قد راح دون أي فكرة عن وجهته، فهو من جيل الثمانينيات الذي عاش حروب الخليج ثلاثتها. هو لا يتموقع مع أحد ضدّ أحد لكنه يرثي غياب الأفق في مستقبل الموصل كأرض ترتبط روحه بها. هو يرى في صدّام المريض بداء العظمة ولكنه يرثي موت مدنيّة الدّولة معه. هو يرى في العراق أرضه ولكنه يعلم أنّ دخوله بغداد أمر عسير ومروره بأربيل صبر على مهانة كونه عربي وعودة الموصل موصلا أمر مستحيل. هو مصرّ على العودة للتّدريس بجامعة الموصل لكنه يتلقى كلّ يوم صور المدينة حطاما وصور الأطفال تلعب في مخيمات لاجئين لا قبل لطفلته الناعمة على تحمّل قساوة العيش فيها. هو مؤمن بأنّ رضى الوالدين يقتضي الحياة جنبهم عند الكبر لكنه عاجز حتى عن الاطمئنان على صمودهم تحت بقايا بيتهم وأصوات الرصاص وتهديدات المتقاتلين ومصير العديد ممن أملوا التحرّر من مجرمي تنظيم الدّولة ووقعوا بين أياد ليست أقلّ رحمة جاءت للمساهمة في تحريرهم لتتولى هي نفسها إذلالهم. صديقي يؤمن بأن الدين لله لكل الخلق حقّ ممارسة إختياره لمسار بلوغ جنّته دون الخوض في معتقدات الآخرين، لكنه يجد نفسه متموقعا بالقوة في خندق أهل دينه بعد أن قرّر أسياد الديمقراطية العراقية ضخ سموم الطائفية في شرايين الدّولة لتصل لعصب الحياة السياسية ولا تسلم منها المعاملات الإجتماعية. صديقي يملك من المؤهلات العلمية ما يؤهلّه للجلوس بفرنسا بشكل دائم لكنه يحظّر حقائبه للعودة نحو وجهة لا يعرفها، لا يهمّه أن يحرم صغيرته إستقرار طفولتها ولا أن تفقذ أسرته راحة سكنها، كلّ ما يريده قلب صديقي العودة لعراق يحلم جزء كبير منه بأيّ فرصة حياة بعيدا عن برك الدّم المتراكمة في كلّ مكان. صديقي ومع ما يحمله من أنفة الطبع يعيش منذ ثلاثة سنوات مكسور الخاطر والكبرياء على حال موطنه وواقع أهله وسيادة الضبابية في مستقبل محافظته، يجيب بمرارة عن أسئلة الزملاء عن وضع البلاد ويتحاشى بحرج نصائحهم له بالمكوث معهم، ويمنحني شرف اتخاذي صديق حوار يشاطره هذا الكرب الذي يحاول أن يخفيه عن إبتسامات إبنته وفي صياغته لمنتجاته العلمية دون أن يغادر فكره لحظة أو يسمح للكوابيس أن تغادر نومه.

كلّنا تخلينا عن العراق ونتحمّل مسؤولية دمار إحدى ركائز الحضارة العربية أمام التّاريخ. مسؤولية هذا الدّمار يتحمّلها كل من صمتوا عن غطرسة صدّام وهو يعدم أمامهم دون حكم من اتهمهم بالخيانة والتواطؤ مع الأسد بعد 6 أيام فقط من توليه الرئاسة، ويصفي معارضيه دون شجب وفي سيادة صمت مطبق والصمت عن الحقّ أكبر خيانة، مع أنّ الرجل حينها لم يكن ذو آذان صمّاء بشهادة اليونيسكو التي كرّمته وهو نائب للرئيس أحمد حسن بكر لإحداثه نظام تغطية صحيّة حقيقي، ولم يكن قد أصبح بعد صانع حرب، بل صنع سلام اتفاقية الجزائر في 1975 مع إيران منهيا سقوط الأرواح في ثورة الأكراد، وكانت روحه أقرب للبسطاء وأحلامهم في رفع مستوى معيشتهم قبل أن تتعلّق بالقصور وتربية النسور وتمكين الأهل.

المسؤولون عن العراق هم كلّ من دفعه ودعمه من العرب وغيرهم للمبادرة في دخول الحرب ضدّ إيران في سبتمبر 1988 والتي لم يجني منها الطّرفان غير 8 سنوات من الإستنزاف وأزيد من مليون روح بين مدنيين وعسكريين دون أي تغيّر حدودي أو سياسي يذكر.

مسؤولون عن دمار أرض حضارة الآشوريين والبابليين كلّ أولئك الذين لم يتدخّلوا لفرض الصلح والتكافل الإقتصادي بين العرب قبل أن يخرج صدّام نزوته في غزو الكويت إلى الوجود، وكلّ من أهدوا القوات الأجنبية مقاما دائما على أرض العرب بعد عاصفة الصّحراء في يناير 1991، وكلّ من دعموا عدوان ثعلب الصحراء وموّلوا عملياته في 1998، وكلّ من تشفو في قبول العراق لإهانة النفط مقابل الغذاء قبلها في 1997 وصوتوا لمنحها غطاء القرار الأممي 598، وحتى أولئك الذين لم يقبلوا طيّ صفحة ماض شرخ الصّف العربي للأبد بعد اعتذار صدّام الرسمي للكويت وشعبها في سبتمبر 2002، ألم يكن من اليسيير يومها لمّ الشمل الخليجي بعضو طبيعي لم تمدّ له اليد يوما وهو لا يقل غنى ولا ثقافة عن باقي الأعضاء لنكسب مشروع وحدة عربية جديد؟

حال العراق هو في رقبة كلّ من تواطأ مع احتلاله الجائر في 2003 مارس  وبأي شكل من الأشكال، وكلّ من سهّل سرقة موروثه الحضاري إنطلاقا من متحفه الوطني ووصولا لتخريب تربة بابل ومعبدي نابو ونيما الشاهدين على صمود هذه الأرض لأزيد من 6000 آلاف سنة، وكلّ من باع نفسه لمشروع تحرير على ظهر الدبابات لم ينتج غير صور أبو غريب ودستور طائفي لا يقبله مؤمن بمفهوم الدّولة في أي مكان متحضّر وبلادا يحكمها الكره ونزعات التفرقة وشهوة الدماء ويعيث فيها فسادا قتلة باسم الدين.

مسؤولون عن وضع أرض الحضارة اليوم كلّ العراقيين الذين رضوا أن يحكمهم 24 سنة كاملة رجل مريض بداء عظمته كيفما كانت درجة منجزاته الاجتماعية، ورئيس لا يتوانى في استعمال التصفية لاجتثاث أي صوت معارض، وقائد يرى حروب الدّم أكثر أهميّة من حروب التنمية البشرية.

دماء كلّ من قضى من العراقيين يتحمّلها من يصرّون على رفض مدنيّة دولة تضمن أطياف متعددة من الأديان واللّغات والأعراق، ويواصلون فرض سيادة تمييز طائفي وضيع يجعل العراقيين أعداء بعضهم بعض في الحاضر والمستقبل، ويشرعنون تنظيمات مسلّحة من المدنيين قائمة على أساس طائفي تمارس ضغينتها وتعطّشها لدم الغير تحت غطاء رسمي، هؤلاء بإصرارهم  على وضع فصيل من المجتمع بين نار مجرمي التنظيم عديمي الدّين، وقساوة تشرّد الإرغام على مغادرة الأرض، وتربص مقاتلين غنيمتهم الكبرى إذلالهم، دون أيّ حلّ دستوري أو حتى إنساني يكفل احترام انتماءهم للوطن أو انفصالهم الهادئ عن كارهيهم منه، يعيدون إنتاج لوحة إبادة مكرّرة كثيرا في التّاريخ ستجني البلاد كلّها فيما فضل حيّا منها تبعاتها.

صديقي الغالي، لك اللّه فيمن دمّروا كبرياءك، وحرموا ابنتك متعة الكبر بين أهلك واللّعب مع بني أحباءك، وجعلوا العالم كلّه يرى عراقك أرض رعب لا تنتج غير الدّمار…وهذا دوري أستعطفك أن تعدل عن قرارك، فـأرض الغير أخي تحمل من الإنسانية ما ضاع بين أنقاض موصلك.

بقلم خليل سعيد، مناضل حركة أنفاس الديمقراطية بباريس

khalil.said.ad@gmail.com

 

About أنفاس

Check Also

#7ikayat #hirak ياسمينة الفارسي « حكايتي مع الحراك »